|
أمير
اللوز
بعد ثلاثين عاما أعود إلى السكن في ريف رام الله، إلى " هذا
الجمال الذي تمت خيانته".نفيت نفسي ، طوعا، عن " بدايتي" فيه،
واخترت المنفى، وأنا ممن يتقنون " البدايات" ، وليس " النهايات"،
وعودتي ، بالتالي، " نهاية" غير متقنة.
كان القمر بدرا، والهواء صقيعيا في جنائن اللوز حول بيتنا وأنا
أتجول بين الظلال وأتأمل في هذه "النهاية".أرجعني إلى هنا مرضي
بالسرطان، ووجع في أسفل الظهر مستمر إلى حد الملل.والملل ، كما قال
عنه كيركيغارد، " مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول
بأنه مرعب إلى درجة مملة".والمرض ، عندي، وجهة نظر في الحياة.
لم يعد لي من مكان في كل هذه " الإنتفاضة" إلا التردد ، بشكل ممل
أيضا، على مستشفى رام الله، فهو الآن كعبتي أو حائط مبكاي
الأخير.هناك متسع لي بين الولادات الجديدة في الطابق العلوي، وبين
ثلاجة حفظ الموتى تحت.أعني بأنني معاق تماما، وأطوف على حافة
الأحداث، في ضواحي الأشياء.مثلا، في ممرات المستشفى الغريبة،ممرات
تسكنها كائنات بقبعات خضراء وأردية خضراء، خبيرة في " التشريح"،
تمشي وراء عربات عليها مخدرون لم يفيقوا بعد، أو لن يفيقوا أبدا.
وفي باب غرفة الطواريء تتدفق سيارات إسعاف عليها رسم هلال أحمر
كالذي كنت أراه خلف الجبال، جرحى وشهداء، وأنا تائه أسأل عن دكتور
أمراض الدم. فترد ممرضة متوترة:" نحن في حالة طواريء، ألا ترى؟".
فأدرك أنني شخص زائد عن الحاجة، مريض متطفل يمشي نحو مصيره وحده ،
بهواجس فردية، لست " زائرا"، ولا " معافى"، ولا جريحا ولا على وشك
الشهادة، بل " مريضا عاديا"، أي لفظة حائرة بين قاموسيّ الموتى
والأحياء، بين الولادات الجديدة في الطابق العلوي، وبين ثلاجة
الموتى في الطابق السفليّ.بماذا يشعر كائن قدره أن "يراقب"، ممنوع
عليه " التدخل"، ويشم رائحة الأدوية ، بدل الزعفران ، بين طابقين؟
هذا ما أرجعني إلى الريف، إلى جمال سبق وخنته، رجعة غير محكمة
الحبكة.
كنت أخطط للعودة من زمن.فزرت جبال طفولتي ، ليلا. كان القمر كاملا،
والصمت شاملا، بين خرائب " دير" قديم ومهدم، في قمة جبل بعيد عن
القرية.وقفت هناك أتأمل البدايات والنهايات. فجأة حدث شيء غريب
فعلا. سمعت صوتا يشبه بالضبط بكاء طفل صغير، يأتي من جنائن التين
والزيتون المقمرة، وقف شعر رأسي من الذهول، وحدقت في تفاصيل
الظلال، والصخور البيضاء، ولم أر أحدا. بدا الصوت وكأنه يأتي من
كائن لا يرى في هذا البر الواسع.
مشيت نحوه بحذر، خائفا ومندهشا، فواصل بكاءه، ولكنه كان يبتعد كلما
اقتربت. أسرعت ولم أصله. قطعت عدة جنائن وكان لم يزل بعيدا عني
بنفس المسافة. رجعت من حيث أتيت، وقلت بأن هذه جبال بها شبه
الجنون، أو مسكونة بالجن ، أو مختلفة، ببساطة. ولكن الصوت لحق بي،
واقترب إلى حد محرج ومخيف. حملت عصا واتجهت إليه، وأنا لا أرى غير
شجر قصير مقمر. كان في الحقل الأول، ولما وصلت بدا وكأنه يأتي من
الثاني، واحترت تماما. فكرت بأن هذا قد يكون " ضبعا".ولكن ليس لضبع
صوت بهذه الرقة، بهذا الحزن، والطفولية، والشعور الماورائي. على
كل، قد يكون "ضبعا". والضبع يخشى من النار، ويهاجم المنفردين مثلي،
وقيل بأنه يرشق بوله على وجه الضحية كي يتخدر حسها بالأشياء. أخرجت
علبة كبريت من جيبي، ورجعت نحو خرائب الدير، ووقفت هناك أفكر.
كانت أمي يتيمة، وعاشت زمنا ترقص وتغني في مواسم فلاحي المنطقة.
وتبناها عم لها يدعى " قدورة"، شيخ عملاق وصلب، كان يسكن مع أخيه،
على ما أعتقد في هذا " الدير"، وكانا قاطعي طرق مسلحين، أيضا. إن
أختفت فرس أو بقرة قالوا إنها في " الدير الجوّاني"، ولم يجرؤ
أحد على الذهاب إلى هناك.
في ذات ليلة كان راجعا إلى الدير على ظهر حماره، ورجلاه تتأرجحان
فوق الطريق المقمرة، فلقفت قدمه اليمنى أفعى " زعراء" ( قصيرة
وملونة وسامة جدا). نزل، وقفز قفزات متوالية قبل أن تفلت قدمه من
نابها ، ووصل الدير منهكا، ومات هنا، حيث
أقف، ربما. كانت أمي تقسم لي، وأنا طفل، أنها رأت نفس الأفعى "
الزعراء" تطير فوق الجبال المقمرة وتزغرد لأنها قتلته. ومرة قالت
بأنها أفعى لها قرنا ثور هرم، ويتحرك العشب اليابس من زفيرها،
وتدعى " أفعى القصبة".
خطرت ببالي "ذاكرة المكان" هذه، وأنا واقف فوق الخرائب. غربا، في
قمة جبل مغطى بغابات صنوبر وسرو وبلوط، تشع أضواء النيون من
مستعمرة إسرائيلية تدعى " حلميش"، عندهم، و" مستعمرة النبي صالح"،
عندنا. أضواء باردة، وكاشفة، ومحاطة بأسلاك شائكة. وبدت المستعمرة
معلقة في الفضاء، ربما بسبب الضوء أيضا، ولم تلمس الأرض، ولا
التاريخ، بعد.
ماذا يرى مستعمر جاء من روسيا أو أستونيا، ربما، قبل سنة فقط، حين
يفتح الآن شباكه، ويحدق في نفس هذه الجبال التي أنا فيها؟ ماذا
يرى، أو يدرك من هذه الجبال التي تسبح في تاريخها وتبزغ منه؟ لن
يرى، حتما، الأفعى الملونة التي تطير وتزغرد فوق الخرائب، ولن يسمع
هذا الصوت الذي يبكي، ولا هذا السر الذي يجعل حتى مصابا بالسرطان
يمشي فيها في الواحدة ليلا! لن يلمس التاريخ، ولو كان عرافا، ليس
تاريخي أنا، على الأقل، ولو كان إلها.
وأنا واقف فوق الخرائب تلك، شعرت بفرق شاسع بين نوعين من " الضوء":
القمر والنيون في المستعمرة. كان الأخير مرتبا، ومهيمنا، حاد
البياض، منتشرا حتى وراء الأسلاك الشائكة التي تعزل كل مستوطنة عن
محيطها، أشبه ما يكون ب "رؤيا مسلحة"، باحتلال بصري، ومعمار ضوئي
لدولة تهذي حتى في منامها برؤى مسلحة ومضاءة بالنيون. وبدت
المستعمرة كلها كتابا في النفس أيضا: في العلاقة بين "القوة" و
"الضوء"! لم يدرس أحد، بعد، العلاقة بين القوة والضوء!
وبدا لي بأنني أرى "ذاكرتين" معا: ذاكرة الأفاعي التي تزغرد وهي
تطير، وذاكرة من رؤى وأساطير مسلحة تحلم بإبادة الأفاعي. ( أو لم
يقل إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، في الإنتفاضة السابقة،
بأن العرب " أفاع" ؟). وبين الذاكرتين، ذاكرة الضحية وجلادها، ما
يشبه الوادي، أو " الهوّه"، صدع عميق ما، وأنا واقف على شفير هذا
الصدع اللامرئي. هل يمكن لهذا الصوت الغريب الذي يشبه بكاء طفل
صغير في هذا البر المقمر أن يكون قادما من أعماق الصدع؟
لما رجعت إلى بيتنا سألت خالا لي، أكبر سنا مني، وذاكرة، عن الصوت
قال :"هذا صوت حيوان صغير يدعى ال "غريريا". كانوا قديما يطاردونه
بكلاب الصيد والبنادق، ولحمه لذيذ، والآن انقرض تماما. ربما أنك
سمعت صوت آخر غريريا في هذه الجبال!". قلت لنفسي: لا، رأيت غريريات
أخرى كثيرة في مستشفى رام الله، كن يلدن ويولدن في الطابق العلوي،
فوق، أو يحفظن في ثلاجة الموتى، تحت، لكن رأيتهن...
****
أدمنت العودة نحو الدير الجواني ، وكأنني مأخوذ بالوقوف في مهب
ذكريات إهلي القدماء هناك، وأحاول تركيب "بداياتي" ، من "
نهاياتهم" .مثلا، كنت أحاول أن أتخيله، عمها، "قدورة " هذا،
واقفا فوق سطح الدير، مشرفا على أودية عميقة ومقمرة، وعلى جنائن
متدرجة، محروثة ومزروعة، وهو يعزف على ربابته. حلفت لي أمي بأنهم
كانوا يسمعونه من القرى المجاورة والبعيدة.أتخيله وقد علق فوق كل
جدار من جدران الدير الأربعة بندقية، وصعد الدرج الحجري الضيق،
وفرد عباءته تحته وبدأ بالعزف. لا أحب الربابة ، بل الناي، وأحاول
أن أتخيله، قاطع الطرق هذا ، وهو يعزف الناي!
قيل إن في القصب سرا إلهيا ، كان الله سبحانه قد أودعه في صدر
النبي محمد ، و لم يستطع النبي تحمله فباح به إلى علي بن أبي
طالب ، وأمره أن لا يبوح به لأحد.ولم يستطع علي تحمله ، أيضا، فذهب
إلى واد عميق وبعيد و وباح به لقصب ذلك الوادي. من يومها وكل ناي
من القصب تصدر عنه نغمة هي سر إلهي ممنوع لفظه بالكلام.وحزن
الناي، كما يقول مولانا جلال الدين رومي ، حنين الخشب أو القصب
الذي صنع منه إلى غاباته الأولى التي قطع منها، إلى " أصله"، أو "
واديه الأول". فإلى أي أصل كان يحن " قدورة " هذا؟ وإلى أية
بدايات؟
********
يتبع
.............................!
|